أحمد بن علي القلقشندي
99
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
واجتباه لهداية خلقه إلى السّنن القويم ، وجعل سلامة الصّلاة المقبولة من النقص مقرونة بالصلاة عليه والتّسليم - فإنّ أولى من رجّحه لخدمتنا الاختيار ، وقدّمه في دولتنا الاختبار ، وأخلصه حسن نظرنا الشّريف رتبة أبيه من قبل ، وأغدق له سحاب برّنا صوب إحسان فلم يصبه طلّ بل وبل - ومن حمد سيره وسيره ، وشكر في طاعتنا ورده وصدره ، وزان الأصالة بالنباهة ، والرّاسة بالوجاهة ، والمعرفة بالنّزاهة ، وجمع بين [ الظَّلف ] ( 1 ) والاطَّلاع ، والتّضلَّع من العفّة والاضطلاع ، والصّفات الَّتي لو تخّيرها لنفسه لم يزدها على ما فيه من كرم الطَّباع . ولما كان نظر الخزانة العالية بدمشق المحروسة رتبة لا يرقى إليها من الأكفاء إلا من ومن ، ولا يقدّم لها من الأولياء إلا من تعيّن من رؤساء العصر وفضلاء الزّمن ، وكان فلان هو الَّذي عيّنه لها ارتياد الأكفاء ، واصطفي هو من أهل الصّفاء ، وتقدّم من وصف محاسنه ما لا يروّع تمام بدره وظهوره بالنّقص والاختفاء . فلذلك رسم بالأمر الشّريف أن يفوّض إليه نظر الخزانة المذكورة . فليباشر ذلك مباشرة من يحقّق في كفايته وفضيلته التّأميل ، ويظهر حسن نظره الَّذي هو كالنهار لا يحتاج إلى دليل ، وليجر على جميل عادته في النهوض في خدمتنا بالسّنّة والفرض ، ويضاعف اجتهاده الَّذي بمثله جعل من اختير على خزائن الأرض ؛ وهو يعلم أنّ هذه الرتبة مآل الأموال ، وذخائر الإسلام الَّتي هي مادة الجيوش وموارد الإفضال ؛ فليعمل في مصالحها فكره ودأبه ، وإذا كان حسن نظرنا الشريف قد جعله المؤتمن عليها : * ( فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَه ولْيَتَّقِ الله رَبَّه ) * ( 2 ) وفي سيرته الَّتي عرفت ، وصفاته الَّتي إن وصفت فما
--> ( 1 ) في الطبعة الأميرية « الصّلف » بالصاد المهملة . وليس في معاني الصّلف ما هو مناسب هنا . والظَّلف : الشّدّة والغلظ في المعيشة . ورجل ظلف النفس : أي يمنعها عن هواها . قال الشاعر : لقد أظلف النفس عن مطعم إذا ما تهافت ذبانه ( انظر اللسان : مادة صلف وظلف ) . ( 2 ) البقرة / 383 .